من فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان إلى المولد والطاقة الشمسية، لم تعد الكهرباء في لبنان مجرد خدمة عامة ناقصة، بل تحولت إلى منظومة اقتصادية موازية يدفع المواطن كلفتها من أكثر من جهة.
في لبنان، لم تعد الكهرباء مجرد خدمة تنتظر الدولة أن تؤمنها. لقد أصبحت اقتصادًا قائمًا بذاته.
فاللبناني يدفع لمؤسسة كهرباء لبنان، ثم يدفع للمولد الخاص، وربما يستثمر من جيبه في الألواح الشمسية والبطاريات، ثم وبصورة غير مباشرة كلفة الطاقة عندما ترتفع أسعار النقل والإنتاج والسلع. وبين فاتورة وأخرى، نشأت منظومة كاملة حول العجز التاريخي للدولة عن تأمين كهرباء مستقرة.
وهنا تكمن المفارقة: كلما عجزت الدولة عن إنتاج الكهرباء وتأمينها، توسع اقتصاد الكهرباء الموازي؛ وكلما توسع هذا الاقتصاد، أصبح تفكيكه أصعب وأكثر كلفة.
قد يبدو هذا توصيفًا قاسيًا، لكنه لم يعد افتراضًا نظريًا. فمؤسسة كهرباء لبنان قالت في تموز 2026 إن معدل التغذية اليومية كان في حدود أربع ساعات، مع استثناء بعض الخطوط التي تغذي المرافق الحيوية، بينما أكدت أنها تعمل على زيادة ساعات التغذية من خلال شراء الفيول من مواردها الذاتية.
وفي الوقت نفسه، تعرض وزارة الطاقة أسعار المولدات الخاصة في بياناتها الرسمية، فيما استمرت الدولة خلال 2026 في العمل على إعادة تنظيم التوزيع، وإدخال العدادات الذكية، وفتح المجال أمام استثمارات جديدة في الطاقة المتجددة. أي أن لبنان لا يعيش اليوم فقط أزمة كهرباء. إنه يعيش مرحلة انتقالية بين نظامين: نظام الدولة الذي لم يكتمل، ونظام السوق الذي نشأ من فراغ الدولة.
فاتورتان
المواطن اللبناني يعرف القصة جيدًا، لكن ربما لم تُقرأ سياسيًا واقتصاديًا بما يكفي.
هناك فاتورة الكهرباء الرسميّة، وهناك فاتورة المولد، وبينهما تكبر كلفة ثالثة لا تظهر دائمًا على ورقة منفصلة: كلفة الطاقة التي تدخل في كل شيء تقريبًا.
مؤسسة كهرباء لبنان أبقت في نيسان 2026 التعرفة عند 10 سنتات أميركية للكيلوواط/ساعة لأول 100 كيلوواط/ساعة، و27 سنتًا لما يزيد على ذلك.
هذه ليست وحدها كلفة الكهرباء التي يدفعها اللبناني.
المولدات الخاصة تحولت منذ سنوات إلى بنية موازية، ولم تعد مجرد حل طارئ لساعات الانقطاع. وزارة الطاقة تنشر حتى اليوم أسعار اشتراكات المولدات وكلفة المازوت وعدد ساعات القطع الشهرية، في دليل واضح على أن هذه السوق أصبحت جزءًا دائمًا من الحياة الاقتصادية اللبنانية.
ثم ظهرت الطاقة الشمسية على نطاق أوسع، لا بوصفها مشروعًا بيئيًا فحسب، بل بوصفها وسيلة دفاع اقتصادي للأسر والمؤسسات في مواجهة عدم استقرار التغذية. وهكذا انتقل المواطن من انتظار الدولة إلى شراء أمنه الكهربائي من السوق.
وهنا يجب أن نتوقف.
عندما تدفع الأسرة للمولد الخاص حتى تحصل على الكهرباء في الساعات التي لا تصل فيها تغذية الدولة، فهي لا تدفع فقط ثمن الطاقة. إنها تدفع ثمن البديل الذي نشأ لأن الخدمة الأصلية لم تكن كافية.
وعندما تشتري الألواح والبطاريات، فهي لا تستثمر فقط في طاقة نظيفة؛ بل في تقليل اعتمادها على شبكة لا تستطيع أن تضمن لها دائمًا ما تحتاج إليه.
هذه النقلة مهمة، لأنها حولت المواطن من مستهلك للكهرباء إلى مموّل لعدة أنظمة كهربائية في الوقت نفسه.
ولذلك، فإن عبارة «اللبناني يمول كهربته ودولته معًا» ليست مجرد لعبة لغوية. إنها تصف معادلة اقتصادية حقيقية: المواطن يمول مؤسسة عامة عبر الفاتورة والضرائب، ويمول في الوقت نفسه سوقًا خاصة عبر المولدات ومعدات الطاقة البديلة، ثم يتحمل أثر كلفة الطاقة على سائر الأسعار. لكن المشكلة لا تتوقف هنا.
اقتصاد العتمة
الخطر الأكبر أن يتحول الحل الموقّت إلى اقتصاد دائم. عندما تنقطع الكهرباء، تظهر المولدات، وعندما ترتفع كلفتها، تظهر الألواح الشمسية والبطاريات. وعندما تتوسع الطاقة الشمسية، تحتاج السوق إلى مستوردين ومركبين وممولي مشاريع وقطع غيار وصيانة ومعايير وربط بالشبكة. وهكذا تنشأ طبقات اقتصادية جديدة فوق المشكلة الأصلية.
قد يكون بعضها مفيدًا وضروريًا، لكن السؤال هو: هل يبني لبنان قطاع طاقة متكاملًا، أم يوسّع فقط عدد الجهات التي تتولى سد ثغرات القطاع الرسمي؟
حتى مؤسسة كهرباء لبنان نفسها تواجه اليوم ضغوطًا مالية وتشغيلية قاسية. ففي آب 2026 حذرت المؤسسة من خطر تعطل استدامة التغذية، مشيرة إلى أن سعر الغاز أويل اقترب من 1500 دولار للطن المتري، في حين أُعدت موازنة المؤسسة على أساس نحو 680 دولارًا، فضلًا عن الخسائر غير الفنية وضعف الجباية والمتأخرات المستحقة على الإدارات والمؤسسات العامة ومصالح المياه والبلديات.
وهنا تظهر المشكلة في صورتها الأوضح: حتى عندما تحاول الدولة تحسين التغذية، يبقى القطاع مكشوفًا أمام أسعار الوقود والتحصيل والخسائر التقنية وغير التقنية.
وهذا يفسر لماذا لا يمكن اختزال أزمة الكهرباء في سؤال: «لماذا لا تنتج الدولة المزيد؟»
السؤال الأهم هو: لماذا لا تستطيع الدولة أن تنتج وتوزع وتحصّل وتستثمر بصورة تجعل قطاع الكهرباء قابلًا للاستمرار؟
في أيلول 2026، أعلنت وزارة الطاقة تحديث الخطة الاستراتيجية الوطنية لقطاع الكهرباء، التي تعود في أصلها إلى خطة أُقرت عام 2010. وذكرت الوزارة أن عجز قطاع الكهرباء لدى مؤسسة كهرباء لبنان بلغ 1.8 مليار دولار عام 2018، وربطت ذلك بعوامل من بينها انخفاض التعرفة عن كلفة الإنتاج، وضعف كفاءة معامل قديمة، وخسائر تقنية وغير تقنية مرتفعة.
المغزى ليس في الرقم القديم وحده. بل ان الدولة نفسها تعترف بأن مشكلة الكهرباء ليست نقصًا في المازوت فقط، بل خللًا في نموذج القطاع.
وهنا ربما تبدأ القصة الجديدة. ففي تموز 2026 أقرت الدولة ورقة سياسة جديدة لقطاع الكهرباء، وفي أيلول طرحت هيئة تنظيم قطاع الكهرباء توجهًا لإصلاح التوزيع عبر نموذج «تأجير الأصول» بدل الخصخصة الكاملة، مع توجه إلى إشراك القطاع الخاص في استثمار شبكات الدولة وتطويرها واستخدام العدادات الذكية لتحسين الفوترة والجباية.
وفي الوقت نفسه، فتحت الهيئة التنظيمية الباب أمام مشاريع طاقة شمسية مرتبطة بالشبكة تصل قدرتها الإجمالية إلى 350 ميغاواط ذروة، مقترنة بأنظمة تخزين بسعة تصل إلى 1000 ميغاواط ساعة، إلى جانب مشاريع توليد حرارية موزعة تعمل أساسًا على الغاز الطبيعي.
وهذا تطور مهم. لأن الدولة تبدو وكأنها بدأت تعترف بأن المستقبل لن يكون بالضرورة شبكة مركزية تنتج كل الكهرباء وتوزعها بالطريقة نفسها التي كانت تفعلها في الماضي.
لكن هنا أيضًا يجب طرح السؤال الصعب: إذا دخل القطاع الخاص بقوة، ودخلت الطاقة الشمسية، وبقيت مؤسسة كهرباء لبنان، واستمرت المولدات في بعض الأماكن، فمن سيكون صاحب النظام؟ من يدير النور؟
هذه ربما هي القضية الأعمق في قصة الكهرباء اللبنانية.
ليس المطلوب العودة إلى نموذج تسيطر فيه مؤسسة واحدة على كل شيء مهما كانت النتائج، ولا تسليم قطاع استراتيجي بالكامل إلى السوق. المطلوب معرفة أي نموذج يستطيع تأمين كهرباء منتظمة وبكلفة معقولة، ويضمن استدامة الاستثمار، ويحمي المستهلك، ويمنع احتكارًا جديدًا تحت عنوان الإصلاح.
وهنا يأتي دور الدولة الحقيقي. وهي ليست مطالبة بأن تكون المنتج الوحيد للكهرباء. لكن بأن تكون الجهة التي تضع قواعد اللعبة.
أن تحدد معايير الإنتاج. أن تراقب الأسعار. أن تنظم التوزيع. أن تضمن المنافسة. أن تحمي المستهلك. أن تراقب جودة الخدمة وأن تمنع أن يتحول ما نشأ كحلّ للأزمة إلى قوة اقتصادية يصعب تنظيمها لاحقًا. وهذا يتطلب تنظيمًا لا شعارات.
فالطاقة الشمسية، مثلًا، يمكن أن تكون فرصة اقتصادية وبيئية كبيرة للبنان، لكن نجاحها يحتاج إلى شبكة قادرة على استيعابها، وقواعد واضحة للربط والتخزين، وآليات عادلة للتعامل مع الكهرباء المنتجة محليًا.
وفي تموز 2026 بدأت هيئة تنظيم قطاع الكهرباء مرحلة تجريبية لإجراءات ترخيص مشاريع الطاقة المتجددة الموزعة، مؤكدة أن الهدف هو توفير إطار تنظيمي واضح لتسهيل الاستثمار وتعزيز الامتثال.
هذه الخطوة مهمة، لكنها تعيدنا إلى السؤال الأول: هل نحن نبني قطاع كهرباء جديدًا، أم ننظم فقط الفوضى التي نشأت خلال سنوات الأزمة؟
الفارق بين السؤالين كبير. فإذا كان المطلوب إعادة بناء القطاع، فالهدف يجب أن يكون واضحًا: شبكة أكثر كفاءة، إنتاج متنوع، خسائر أقل، جباية أفضل، استثمار خاص منظم، ومؤسسة عامة قادرة على أداء وظائفها من دون أن تصبح عبئًا دائمًا على المالية العامة.
أما إذا اقتصرت الإصلاحات على توزيع الأدوار بين الدولة والمولدات والطاقة الشمسية والجهات الخاصة، فقد ينتهي لبنان إلى نظام أكثر تعقيدًا من السابق: الدولة موجودة، والسوق موجود، والمولد موجود، والطاقة الشمسية موجودة، لكن المواطن ما زال يدفع أكثر مما يفترض أن يدفعه مقابل خدمة أساسية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. يمكن للبنان أن يزيد ساعات التغذية. ويمكنه أن يوسّع الطاقة الشمسية. وأن يحسن الجباية. وأن يجذب استثمارات جديدة. لكن النجاح الحقيقي لن يكون في عدد مصادر الكهرباء التي ستصبح متاحة، بل في قدرة الدولة على تحويلها كلها إلى قطاع واحد منظم يخدم الاقتصاد بدل أن يستهلكه.
فالكهرباء ليست مجرد مصباح يضيء في منزل. هي كلفة المصنع، وثلاجة المطعم، وآلة المستشفى، ومضخة المياه، وحاسوب الشركة، وغرفة الطالب، والمحل الذي يفتح أبوابه في الصباح. ولهذا فإن كل ساعة انقطاع إضافية ليست مجرد ظلام. إنها إنتاج أقل، وكلفة أعلى، واستثمار أصعب. وكلما احتاج المواطن إلى مولد أو بطارية أو ألواح كي يحصل على الخدمة الأساسية، انتقلت الكلفة من الدولة إلى الأفراد. وهكذا يصبح المواطن، بصورة أو بأخرى، شريكًا اضطراريًا في تمويل عجز الدولة. ولعل السؤال الذي يجب أن تطرحه المرحلة المقبلة ليس: هل ستختفي المولدات؟ فهذا سؤال تقني صغير أمام مشكلة كبيرة. السؤال هو: هل يستطيع لبنان أن يبني قطاع كهرباء لا يحتاج المواطن فيه إلى أن يمول الدولة والمولد والطاقة الشمسية معًا كي يحصل على شيء يفترض أن يكون خدمة عامة؟
فالكهرباء لا ينبغي أن تكون دولةً داخل الدولة.
ولا ينبغي أن يكون المواطن وزير الطاقة في منزله، ومدير شبكة في مؤسسته، وممولًا لمولد الحي في الوقت نفسه.
إما أن تنجح الدولة في تحويل الكهرباء إلى قطاع منظّم ومستدام، أو سيستمر اللبناني في دفع ثمن النور... وثمن العتمة أيضًا.























































